الرئيسية / هيئة التحرير / الجنس الاستعماري الفرنسي في الجزائر…!

الجنس الاستعماري الفرنسي في الجزائر…!

افتتاحية الموقع بقلم المدير العام مسؤول النشر:عمّــــار قــــردود

اعتبر المؤرخ الفرنسي باسكال بلانشار عند سؤاله عن العدد الكبير من الصور الجنسية التي تضمنها كتابه المشترك “جنس وعرق ومستعمرات- السلطة الممارسة على الأجساد من القرن 15 حتى أيامنا” (باريس، 2018)،بأن الجنس ركيزة أساسية في النظام الاستعماري الفرنسي.
و عطفًا عن التقرير المهم الذي نشرته جريدة “لوموند” الفرنسية في 17 مارس الجاري بخصوص جرائم الإعتداء الجنسي و الإغتصاب الذي قام به بعض الجنود الفرنسيين في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية فأن المؤرخين و الباحثين الجزائريين مدعوين لسبر غور هذا الملف الأسود المسكوت عنه بإعتباره من الطابوهات و عليهم كسر ذلك و كشف المزيد من الحقائق الخفية في ظل حديث عن “اختلاط الأنساب و عن وجود جزائريين هم أبناء زنا أو نتاج عمليات الإغتصاب التي تعرضن إليه الكثير من الجزائريات أبان الاستعمار من طرف جنود فرنسيين و غير فرنسيين،حيث أن هناك أفارقة و أوروبيين و هو ملف خطير يستوجب فتحه و مناقشته بكل صراحة و موضوعية و جرأة.
مازالت جرائم الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها الجنود الفرنسيون في الجزائر إبان الاحتلال ملفا غير مطروق و”طابو” كبيرا لا يُسمح الحديث حوله، حيث تخجل اليوم حتى مجاهدات في حرب التحرير على فتح هذا الملف.
كتاب المؤرخ الفرنسي بلانشار و الذي يقع في 500 صفحة ملونة من الحجم الكبير تضمن أو ضم 1200 صورة لنساء من مختلف الدول خلال الحقبة الاستعمارية و منها الحقبة الاستعمارية في الجزائر،صور لنساء محليات في المستعمرات يُمارس عليهن تعذيب جنسي وحشي صدم الرأي العام الفرنسي، وأثار ضجة وضجيجًا في المجتمع وفي وسائل الإعلام وأوساط المثقفين. أظهر الوجه الحقيقي و البشع للأوروبي المتحضر.
يقول المؤرخ باسكال بلانشار المتخصص في دراسات الاستعمار،عن كتابه الذي شاركه في انجازه 97 مؤرخًا تحت إشرافه يتيح معرفة أن “السيطرة على الأرض ترافقت مع السيطرة على الأجساد، فالرجل الأبيض كان يتمتع بحصانة مطلقة هناك”.
الكتلي تضمن صور لوضعيات شاذة ودموية لنساء المستعمرات، وفحش مورس على أجسادهن وأعضائهن التناسلية على نحو واضح وقد عرضها دون إخفاء أي جزء من الصورة.و هو ما جعل كتابه محظور من بيعه في الجزائر لتضمنه صور خليعة و جنسية بالرغم من أن الأمر يتعلق بحقائق تاريخية و فضح للإستعمار بشكل عام و خاصة الاستعمار الفرنسي… مع الإشارة إلى أن 80% من الصور (من 1200 صورة) تظهر للمرة الأولى، فقد كانت مخفية أو منسية أو مجهولة.
صور كثيرة لنساء عاريات من البلدان المستعمَرة-و منها الجزائر طبعًا-، صور لعاريات محليات يعبث بأعضائهن رجل أبيض شكلت عبر التاريخ الاستعماري صورةَ الغرب عن غيره (الشرق مثلًا)، صورة إكزوتيكية، لقد تم استخدام العري كوسيلة لتنشيط الاستعمار. يكشف بلانشار أن ملايين الصور تم تداولها في بريطانيا وفرنسا خلال الحقبة الاستعمارية دون رقيب ولا حسيب في وقت كانت المرأة “البيضاء” تعيش ضمن أسوار الممنوع، وتحت رقابة صارمة. عملت تلك الصور على تكوين رأي عام غربي عن غير الغرب كما يفعل الانترنت في أيامنا، فتشكلت تلك الصورة الزائفة. وقد جاء هذا الكتاب ليفضح تلك المزاعم وذلك الزيف، عبر كشفه بالدليل القاطع، بالصورة المرسومة والمصوُّرة غربيًا، بأيدي الاستعمار ذاته، عن جرائم تم ارتكابها عبر “رحلة القنص الجنسية” الاستعمارية.
و لأن الكتاب و ناهيك عن تضمنه لصور فاضحة-لكنها حقيقية-فقد فضح بدوره الاستعمار بكل ألوانه و أنواعه و هو ما جعله مرفوضًا من مختلف الأوساط الأكاديمية و الإعلامية و الثقافية و السياسية،جريدة “ليبراسيون” علقت عن الكتاب بالقول “إننا نتقيأ لأننا ظننا أننا نفتح كتاب تاريخ، لكننا وجدنا كتاب بورنوغرافي سميك. ثم تتساءل: هل تعرفون كتب الجرارات ورسامي عصر النهضة والغلايين المصقولة؟ هذه المرة هو كتاب عن الاغتصابات الاستعمارية”. لكن بلانشار يرفض تسمية الصور بالـ”بورنوغرافية” ويسميها “صور الهيمنة الاستعمارية”، ويقول إن الكثير من الصور لم نقم بنشرها، صور الاعتداءات الجنسية على الأطفال لم ننشرها أيضًا”.
فيما يعترف الكاتب الفرنسي هنري بوليت في كتابه “la villa susini-tortures en algerie un appelle parle” بأن الجنود المحتلين كانوا سيئين للغاية و يعتبرون أن الاعتداء الجنسي ما هو إلا جائزة لهم مؤكدًا أنهم كانوا يتنافسون على من يعتدي جنسيًا على أكبر عدد من الجزائريات و من يكون الأول في اغتصاب أول امرأة جزائرية تدخل المبنى.

جريدة “لوموند” قالت إن “مسألة الاعتداء الجنسي والتعذيب المرتكب بشكل شبه منهجي من قبل بعض الجنود الفرنسيين كانت موضوعا مسكوتا عنه في الأبحاث التاريخية في البلدين. لم يكسر حاجز الصمت سوى نساء تمتعن بالشجاعة لاتخاذ خطوة مماثلة. وبتاريخ 20 حزيران / يونيو 2000، نشرت صحيفة لوموند شهادة غير مسبوقة عن عمليات الاغتصاب أثناء الحرب في الجزائر”.
وقالت الجريدة، “إلى حد الآن، لم تشف الجزائر من صدمتين مرتبطتين بحرب الاستقلال، وهما أشد وطأة من كل الصدمات الأخرى؛ قضية المفقودين وقضية الاغتصاب. بقدر ما تتحدث العائلات عن الأولى، فإنها تلتزم الصمت بشأن الثانية. من بين جميع الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الفرنسي، تم التستر عن الاغتصاب من قبل الجناة والضحايا على حد السواء. وظل هذا الموضوع الزاوية المظلمة في البحث التاريخي في الدولتين”.
وقالت لوموند، في أعقاب الاستقلال عام 1962، كان الصمت شعار العائلات الجزائرية. طُلب من جميع الذين عانوا الفظائع، وخاصة الاعتداء الجنسي، التزام الصمت. حتى اليوم، يعد الاغتصاب مرادفا للعار. على الرغم من كل ذلك، تتغير العقليات ببطء. فيما بينهن، ودون شهود، تتحدث المجاهدات اليوم عن العنف الذي تعرضن له أثناء استجوابهن.
لقد كان الاغتصاب الذي ارتكبته القوات الفرنسية جزءًا من نظام القمع والترهيب الذي يتم تطبيقه في المقاطعات الفرنسية الثلاث بالجزائر قبل فترة طويلة من انتفاضة 1954. منذ بداية الاستعمار، في عام 1830، كان الناس يعذبون الناس بشكل روتيني في أقسام ومراكز الشرطة.
أضافت الجريدة أنه وفقًا لقدامى المحاربين والضحايا والشهود الفرنسيين، كان هناك نوعان من الاغتصاب؛ عمليات ارتكبت في مراكز الاستجواب المتعددة في جميع أنحاء البلاد، وأخرى حدثت في البيوت الطينية خلال حملات القوات إلى القرى والنجوع المعزولة.
وفي دفتر ملاحظاته الشخصي، الذي كتبه في أبريل 1957 في باتنة، والذي شاركه مع الباحثين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يستحضر دينيس، الملازم الثاني المظلي في الفوج الثامن عشر من صيادي المظلات، بخوف “حملات الاغتصاب” هذه، كما كانت تسمى في قسمه. كانت النساء يغطين وجوههن بالسخام، وأحيانًا البراز، في محاولة لإثارة اشمئزاز المهاجمين.
وقالت الجريدة: “ارتكبت عمليات الاغتصاب في كل مكان تقريبًا بين عامي 1954 و1962، في الريف أكثر بكثير مما كانت عليه في المدينة، وعرفت نسقا تصاعديا مع تقدم سنوات الحرب. نظرًا لأن المظليين التابعين للجنرال ماسو مُنحوا السلطات الكاملة في أوائل عام 1957، كانت معركة الجزائر بلا شك نقطة تحول في هذا المجال”.
إن جرائم الاغتصاب المرتكبة من طرف الستعمار الفرنسي في الجزائر هي جرائم دولة لا تتقادم بفعل الزمن، وفرنسا ملزمة بها وفقا لمعاهدة روما،و على الدولة الجزائرية بذل ما في وسعها من أجل إدانة فرنسا أمام العالم.
فجرائم الاغتصاب من قبل الجنود الفرنسيين و المعمرين-الذين هم من جنسيات أوروبية و حتى إفريقية و لاتينية-ضد الجزائريات خلال الحقبة الستعمارية كانت وليدة حالة من الكبت و أنها نزعة سادية مازوشية،لقد اتبع الاستعمار الفرنسي استراتيجية توظيف الاغتصاب كعمليات حرب فيما يشبه إهانة المجتمع الذكوري و إخصاء رمزي له لأن المجتمع الجزائري يُقدس الشرف فكانت فرنسا تنتقم للمجاهدين الذي يُحاربونها من خلال الإعتداء جنسيًا على نساءهم سواء أمهاتهم أو زوجاتهم أو أخواتهم أو بناتهم.

عمّـــار قـــردود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عاجـــــل